أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

61

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« تُقاةً » ، كما ترى ، ووزنها فعلة ، ومجيء المصدر على فعل وفعلة قليل نحو : التّخمة والتّهمة والتّؤدة والتكأة ، وانضمّ إلى ذلك كونها جاءت على غير المصدر ، والكثير مجيء المصادر جارية على أفعالها قيل : وحسّن مجيء هذا المصدر ثلاثيا كون « فعلة » قد حذقت زوائده في كثير من كلامهم نحو : تقى يتقي ومنه : 1232 - . . . * تق اللّه فينا والكتاب الّذي تتلوه « 1 » وقد قدّمت تحقيق ذلك في أول البقرة . الثاني : أنها منصوبة على المفعول به ، وذلك أن يكون « تَتَّقُوا » بمعنى تخافوا ، ويكون « تُقاةً » مصدرا واقعا موقع المفعول به ، وهو ظاهر قول الزمخشري فإنه قال : « إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه ، وقرىء « تقيّة » ، وقيل للمتّقى : تقاة وتقيّة كقولهم « ضرب الأمير » لمضروبه » . انتهى فصار تقدير الكلام : إلا أن تخافوا منهم أمرا متّقى . الثالث : أنها منصوبة على الحال وصاحب الحال فاعل « تَتَّقُوا » وعلى هذا تكون حالا مؤكدة ، لأنّ معناه مفهوم من عاملها كقوله : وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا « 2 » وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ « 3 » ، وهو على هذا جمع « فاعل » وإن لم يلفظ بفاعل من هذه المادة فيكون فاعلا وفعلة نحو : رام ورماة وغاز وغزاة ، لأن فعلة يطّرد جمعا لفاعل الوصف المعتلّ اللام ، وقيل : بل فعلة جمع لفعيل ، أجاز ذلك كلّه أبو علي الفارسي . قلت : جمع فعيل على فعلة لا يجوز ، فإن فعيلا الوصف المعتلّ اللام يجمع على أفعلاء نحو غنيّ وأغنياء ، وتقيّ وأتقياء ، وصفيّ وأصفياء ، فإن قيل : قد جاء فعيل الوصف مجموعا على فعلة قالوا : كميّ وكماة ، فالجواب : أنه من الندور بحيث لا يقاس عليه . وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو رجاء وقتادة وأبو حيوة ويعقوب وسهل وعاصم في رواية المفضل عنه : تتّقوا منهم تقيّة بوزن « مطيّة » وهي مصدر أيضا بمعنى « تُقاةً » ، يقال : اتّقى يتّقي اتقاء وتقوى وتقاة وتقيّة وتقى ، فيجيء مصدر افتعل من هذه المادة على الافتعال وعلى ما ذكره معه من هذه الأوزان ، ويقال أيضا : تقيت أتقي ثلاثيا تقيّة وتقوى وتقاة وتقى ، والتاء في جميع هذه الألفاظ بدل من الواو لما عرفته من الاشتقاق . وأمال الأخوان « تُقاةً » هنا ، لأنّ ألفها منقلبة عن ياء كما تقدم تقريره ، ولم يؤثّر حرف الاستعلاء في منع الإمالة لأنّ السبب غير ظاهر ، ألا ترى أن سبب الإمالة الياء المقدرة بخلاف « غالب » و « طالب » و « قادم » فإنّ حرف الاستعلاء هنا مؤثّر لكون سبب الإمالة ظاهرا وهو الكسرة ، وعلى هذا يقال : كيف يؤثّر مع السبب الظاهر ولم يؤثّر مع المقدر وكان العكس أولى ؟ والجواب أنّ الكسرة سبب منفصل عن الحرف الممال ليس موجودا فيه بخلاف الألف المنقلبة عن ياء فإنها نفسها مقتضية للإمالة ، فلذلك لم يقاومها حرف الاستعلاء . وأمال الكسائي وحده « حقّ تقاته » « 4 » ، فخرج حمزة عن أصله ، وكان الفرق أنّ « تُقاةً » هذه رسمت بالياء فلذلك وافق حمزة الكسائيّ عليه ، ولذلك قرأ بعضهم « تقيّة » بوزن مطيّة كما تقدم لظاهر الرسم ، بخلاف « حَقَّ تُقاتِهِ » ، وإنما أمعنت في سبب الإمالة هنا لأنّ بعضهم زعم أن إمالة هذا شاذ لأجل حرف الاستعلاء ، وأنّ سيبويه حكى عن قوم أنهم يميلون شيئا لا يجوز إمالته نحو : « رأيت عرقى » بالإمالة ، وليس هذا من ذاك لما تقدّم لك من أن سبب الإمالة في « عرقى » كسرة ظاهرة .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة مريم ، آية ( 33 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 60 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، آية ( 102 ) .